الثعلبي
148
الكشف والبيان عن تفسير القرآن ( تفسير الثعلبي )
قال الثعلبي : ويحتمل أنّ لهذه الأخبار وأمثالها معنيين : أحدهما أنها كانت قبل تحريم الخمر ، والمعنى الآخر وهو أقربهما إلى الصواب أنهم أرادوا بالنبيذ الماء الذي ألقي فيه التمر أو الزبيب حتّى أخذ من قوته وحلاوته قبل أن يشتدّ ويسكر ، يدلّ عليه ما روي عن ابن عباس أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كان يصنع له النبيذ فيشربه يومه والغد وبعد الغد . وروى الأعمش عن يحيى بن أبي عمرو عن ابن عباس قال : كان النبي صلّى الله عليه وسلّم ينبذ له نبيذ الزبيب من الليل ويجعل في سقاء فيشربه يومه ذلك والغد وبعد الغد ، فإذا كان من آخر الآنية سقاه أو شربه فإن أصبح منه شيء أراقه . وعن عبد الله بن الديلمي عن أبيه فيروز قال : قدمت على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقلت : يا رسول الله إنّا أصحاب كرم وقد أنزل الله تحريم الخمر ، فماذا نصنع ؟ قال : تتخذونه زبيبا ، قلت : فنصنع بالزبيب ماذا ؟ قال : تنقعونه على غدائكم ، وتشربونه على عشائكم ، وتنقعونه على عشائكم ، وتشربونه على غدائكم ، قلت : أفلا نؤخّره حتّى يشتدّ ؟ قال : فلا تجعلوه في السلال واجعلوه في الشنان ، فإنه إن تأخّر صار خمرا . وعن نافع عن ابن عمر أنه كان ينبذ له في سقاء للزبيب غدوة فيشربه من الليل ، وينبذ له عشوة فيشربه غدوة ، وكان يغسل الأسقية ولا يجعل فيها نرديّا ولا شيئا ، قال نافع : وكنّا نشربه مثل العسل . وعن بسام قال : سألت أبا جعفر عن النبيذ قال : كان عليّ بن الحسين ينبذ له من الليل فيشربه غدوة ، وينبذ له غدوة فيشربه من الليل . وعن عبد الله قال : سمعت سفيان - وسئل عن النبيذ - قال : أنبذ عشاء وأشربه غدوة . فهذه الأخبار تدلّ على أنه نقيع الزبيب والتمر قبل أن يشتد ، وبالله التوفيق . وقال مالك والشافعي وأحمد بن حنبل وأبو ثور وأكثر أهل الآثار : إن الخمر كل شراب مسكر سواء كان عصير العنب ما أريد منها ، مطبوخا كان أو نيّا وكل شراب مسكر فهو حرام قليله وكثيره ، وعلى شاربه الحدّ إلّا أن يتناول المطبوخ [ بعد ذهاب ثلثه ] فإنه لا يحدّ وشهادته لا ترد ، والذي يدلّ على حجّة هذا المذهب من اللغة أن الخمر أصله الستر ، ويقال لكل شيء ستر شيئا من شجر أو حجر أو غيرهما خمر ، وقال : وخمر فلان في خمار الناس ، ومنه خمار المرأة وخمرة السجادة ، والخمر سمّي بذلك لأنه يستر العقل ، يدلّ عليه ما روى الشعبي عن ابن عمر قال : خطب عمر فقال : إن الخمر نزل تحريمها ، وهي من خمسة أشياء : العنب والتمر والحنطة والشعير والعسل ، والخمر ما خامر العقل . وقال أنس بن مالك : سمّيت خمرا لأنهم كانوا يدعونها في الدّنان حتّى تختمر وتتغيّر .